ابن حمدون
316
التذكرة الحمدونية
يحيى بن زكريا عليهما السلام أهدي رأسه إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل في طست من ذهب ، وفيه تسلية لحرّ فاضل يرى الناقص الذي يظفر من الدنيا بالحظَّ السنيّ . « 769 » - قال أبو العتاهية : حبسني الرشيد لما تركت قول الشعر فأدخلت السجن وأغلق الباب عليّ ، فدهشت كما يدهش مثلي لتلك الحال ، وإذا أنا برجل جالس في جانب الحبس مقيّد ، فجعلت أنظر إليه ساعة ثم تمثل : [ من الطويل ] تعودّت مسّ الضرّ حتى ألفته وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر وصيّرني يأسي من الناس راجيا لحسن صنيع اللَّه من حيث لا أدري فقلت : أعد أعزّك اللَّه هذين البيتين ، فقال لي : ويلك يا أبا العتاهية ما أسوأ أدبك ، وأقلّ عقلك ، دخلت عليّ الحبس فما سلَّمت تسليم المسلم على المسلم ، ولا سألت مسألة الحرّ للحرّ ، ولا توجّعت توجّع المبتلى للمبتلى ، حتى إذا سمعت بيتين من الشعر الذي لا فضل فيك غيره لم تصبر عن استعادتهما ، ولم تقدّم قبل مسألتهما عذرا لنفسك في طلبهما . فقلت : يا أخي إني دهشت لهذه الحال ، فلا تعذلني واعذرني متفضّلا بذلك . فقال : أنا أولى بالدّهش والحيرة منك ، لأنك حبست في أن تقول شعرا به ارتفعت وبلغت ، فإذا قلت أمنت ، وأنا مأخوذ بأن أدلّ على ابن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ليقتل أو أقتل دونه ، وو اللَّه لا أدلّ عليه أبدا . والساعة يدعى بي فأقتل ، فأيّنا أحقّ بالدّهش ؟ فقلت : أنت أولى سلَّمك اللَّه وكفاك [ 1 ] ، ولو علمت أنّ هذه حالك
--> « 769 » الأغاني 4 : 94 والفرج بعد الشدة 2 : 116 والبيت الثالث الذي زاده أبو العتاهية ورد في زهر الآداب : 89 ( منسوبا لموسى بن عبيد اللَّه بن علي بن أبي طالب ) وفي مصورة ابن عساكر 17 : 286 لموسى بن عبد اللَّه بن حسن وانظر عيون الأخبار 3 : 190 .